عمر السهروردي

10

عوارف المعارف

مقدمة المؤلف الحمد للّه العظيم شأنه ، القوى سلطانه ، الظاهر إحسانه ، الباهر حجته وبرهانه ، المحتجب بالجلال والمنفرد بالكمال ، والمتردى بالعظمة في الآباد والآزال ، لا يصوره وهم وخيال ، ولا يحصره حد ومثال ، ذي العز الدائم السرمدي ، والملك القائم اليدمومى ، والقدرة الممتنع إدراك كنهها ، والسطوة المستوعر طريق استيفاء وصفها ، نطقت الكائنات بأنه الصانع المبدع ، ولاح من صفحات ذرات الوجود بأنه الخالق المخترع ، وسم عقل الإنسان بالعجز والنقصان ، وألزم فصيحات الألسن وصف الحصر في حلبة البيان ، وأحرقت سبحات وجهه الكريم أجنحة طائر الفهم ، وسدت تعززا وجلالا مسالك الوهم ، وأطرق طامح البصيرة تعظيما وإجلالا ، ولم يجد من فرط الهيبة في فضاء الجبروت مجالا ، فعاد البصر كليلا ، والعقل عليلا ، ولم ينتهج إلى كنه الكبرياء سبيلا . فسبحان من عزت معرفته لولا تعريفه ، وتعذر على العقول تحديده وتكييفه ، ثم ألبس قلوب الصفوة من عباده ملابس العرفان ، وخصهم من بين عباده بخصائص الإحسان ، فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوءة ، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوة . فتهيأت لقبول الإمداد القدسية ، واستعدت لورود الأنوار العلوية ، واتخذت من الأنفاس العطرية بالأذكار جلاسا ، وأقامت على الظاهر والباطن من التقوى حراسا ، وأشعلت في ظلم البشرية من اليقين نبراسا ، واستحقرت فوائد الدنيا ولذاتها ، وأنكرت مصايد الهوى وتبعاتها ، وامتطت غوارب الرغبوت والرهبوت ، واستفرشت بعلو همتها بساط الملكوت ، وامتدت إلى المعالي أعناقها ، وطمحت إلى اللامع العلوي أحداقها ، واتخذت من الملأ الأعلى مسامرا ومحاورا ، ومن النور الأغر الأقصى مزاورا ومجاورا . أجساد أرضية بقلوب سماوية ، وأشباح فرشية بأرواح عرشية ، نفوسهم في منازل الخدمة سيارة ، وأرواحهم في فضاء القرب طيارة ، مذاهبهم في العبودية مشهورة ، وأعلامهم في أقطار الأرض منشورة ، يقول الجاهل بهم فقدوا وما فقدوا ، ولكن سمت أحوالهم فلم يدركوا ، وعلا مقامهم فلم يملكوا ، كاثنين بالجثمان ، بائنين بقلوبهم عن أوطان الحدثان ، لأرواحهم حول العرش تطواف ، ولقلوبهم من خزائن البر أسعاف ، يتنعمون بالخدمة في الدياجر ، ويتلذذون من وهج الطلب بظما الهواجر .